القرطبي
146
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
اللّه سبحانه وتعالى في آية أخرى : فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ [ الصافات : 55 ] قال : ذكر لنا أنه يطلع فيرى جماجم القوم تغلي . أخبرنا معمر عن قتادة قال : قال بعض العلماء : لولا أن اللّه عز وجل عرفه إياه ما عرفه ، لقد تغير حبره وسبره ، فعند ذلك يقول : تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [ الصافات : 56 ، 57 ] في النار . والحبر والسّبر : اللون والهيئة ، من قولهم : جاءت الإبل حسنة الأحبار والأسبار ، قاله الفراء . وقال الأصمعي : هو البهاء والجمال وأثر النعمة ، يقال : فلان حسن الحبر والسبر ، إذا كان جميلا حسن الهيئة . قال ابن أحمد : لبسنا حبرة حتى اقتضينا * لآجال وأعمار قضينا ويقال أيضا : فلان حسن الحبر والسّبر بالفتح ، وهذا كله مصدر قولك : حبرته تحبيرا . والأول اسم ، وتحبير الخط والشعر وغيرهما تحسينه وتزيينه . باب منه وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة ، قال : حدّثنا أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن المستهزئين بعباد اللّه في الدنيا تفتح لهم أبواب الجنة يوم القيامة يقال لهم : ادخلوا الجنة ، فإذا جاءوا أغلق الباب دونهم . وتفتح الثانية فيقال لهم : ادخلوا الجنة ، فإذا جاءوا أغلق الباب دونهم ، وتفتح لهم الثالثة ، فيدعون فلا يجيبون ، قال فيقول لهم الرب : أنتم المستهزءون بعبادي ؟ أنتم آخر الناس حسابا ؛ فيقومون حتى يغرقوا في عرقهم ، فينادون : يا ربنا إما صرفتنا إلى جهنم وإما إلى رضوانك » « 1 » . باب منه وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يؤمر يوم القيامة بأناس إلى الجنة ، حتى إذا دنوا منها واستنشقوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد اللّه لأهلها فيها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها ، فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون والآخرون بمثلها ، فيقولون : يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما رأيتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا ، قال : ذلك أردت بكم ، كنتم إذا خلوتم بي بارزتموني بالعظائم ، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مختبئين ، تراءون الناس بخلاف ما تعطوني من قلوبكم ، هبتم الناس ولم تهابوني ، وأجللتم الناس ولم تجلوني ، وتركتم للناس ولم تتركوا لي ؛ فاليوم أذيقكم العذاب الأليم مع ما حرمتكم من الثواب » « 2 » . ذكره أبو حامد رحمه اللّه .
--> ( 1 ) لا يصح . ( 2 ) أخرجه الطبراني في « الكبير » ( 17 / 85 ، 86 / 199 ) وفي « الأوسط » كما في « مجمع البحرين » -